سيد محمد طنطاوي
469
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
و « لهم » خبر مقدم ، و « من علم » مبتدأ مؤخر ، وقوله * ( ولا لآبائِهِمْ ) * معطوف على الخبر . أي : ما لهم بذلك شيء من العلم أصلا ، وكذلك الحال بالنسبة لآبائهم ، فالجملة الكريمة تنفى ما زعموه نفيا يشملهم ويشمل الذين سبقوهم وقالوا قولهم . قال الكرخي : فإن قيل : اتخاذ الولد محال في نفسه ، فكيف قال : * ( ما لَهُمْ بِه مِنْ عِلْمٍ ؟ ) * فالجواب أن انتفاء العلم بالشيء قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه ، وقد يكون لأنه في نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به ، ونظيره قوله - تعالى - : ومَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَه بِه « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ) * ذم شديد لهم على ما نطقوا به من كلام يدل على فرط جهلهم ، وعظم كذبهم . وكبر : فعل ماض لإنشاء الذم ، فهو من باب نعم وبئس ، وفاعله ضمير محذوف ، مفسّر بالنكرة بعده وهي قوله * ( كَلِمَةً ) * المنصوبة على أنها تمييز ، والمخصوص بالذم محذوف . والتقدير : كبرت هي كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة الشنعاء التي تفوهوا بها ، وهي قولهم : اتخذ اللَّه ولدا فإنهم ما يقولون إلا قولا كاذبا محالا على اللَّه - تعالى - ومخالفا للواقع ومنافيا للحق والصواب . وفي هذا التعبير ما فيه من استعظام قبح ما نطقوا به ، حيث وصفه - سبحانه - بأنه مجرد كلام لاكته ألسنتهم ، ولا دليل عليه سوى كذبهم وافترائهم . قال صاحب الكشاف : قوله * ( كَبُرَتْ كَلِمَةً ) * قرئ ، كبرت كلمة بالرفع على الفاعلية ، وبالنصب على التمييز ، والنصب أقوى وأبلغ ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل : ما أكبرها كلمة . وقوله * ( تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ ) * صفة للكلمة تفيد استعظاما لاجترائهم على النطق به ، وإخراجها من أفواههم ، فإن كثيرا مما يوسوسه الشيطان في قلوب الناس ويحدثون أنفسهم به من المنكرات ، لا يتمالكون أن يتفوهوا به ، ويطلقوا به ألسنتهم ، بل يكظمون عليه تشوّرا من إظهاره فكيف بهذا المنكر ؟ فإن قلت : إلام يرجع الضمير في « كبرت » ؟ قلت : إلى قولهم اتخذ اللَّه ولدا . وسميت
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 4 .